أبي طالب المكي

297

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

قد نغصت على نفسك ، إذ لم تبلغ في شهوتها ، فإن فعل هذا فحسن ، لأن أبا سليمان خاف عليه ما ذكرناه قبيل من يظهر ترك الشهوة فيصير متعته باعتقاد فضله من ترك الشهوات أبلغ من كل الشهوات لو أن يأكلها فيسرف على نفسه بلوغ شهوته التي كان تركها بعلة الإخلاص ، كما تقول العامة : بعلة الصبي تشبع الدابة ، فإن قوي يقينه وغاب الخلق عن عينه تركها وقلبها مطمئن بالإيمان لأنه لم يعتل بالنظر فيتداوى بالتناول للبعض ، فأما إن كان قد اعتقد ترك شهوة دخل عليه منها يخرجه من الورع ، ويعزم على المجاهدة ، ثم أتى بها ، فهذا اختبار من الله سبحانه وتعالى لينظر كيف يعمل في الوفاء بالعقد . فأحبّ إليّ أن لا ينال منها شيئا وليتعلَّل ويدافع عن نفسه بالمعاريض والمعاني حتى لا يفطن به أنه قد تركها للمجاهدة ، فيكون قد فعل الوصفين معا ، الوفاء لعقد في تركها ، والتورية بلطيف الحيلة من الفطنة له في قصده ، وهذا طريق المريدين وصفات المتّقين ، وهو الطريق الأدنى الذي ذكراه أولا . فإن ظهر قرب الله تعالى منه وغلب نظره إليه أغناه عن الحيلة والاحتيال لقربه وشهادته ذا الجلال والإكرام ، وهو الطريق الأعلى الذي ذكرناه آخرا ، وهذا للموقنين . فأما إن كان الغليظ الخشن هو الأحل في الحكم وأبعد من الشبهة فهو الأطيب والأفضل في العلم فلا يأكل إلَّا منه . يقال : أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنبه . فلعل الله تعالى أن يشر له ترك لقمة شبهة لذيذة في الطعم إن كانت كريهة في الحكم ، يتركها لأجله فيغفر له ما سلف من ذنبه . إنه غفور شكور . قيل : غفور لذنوب كثيرة ، شكور لعلم يسير . كيف وقد صف المؤمنين أولي الهدى والتوحيد وذوي الرحمة والرشد بحسن التفقد في الطعمة فقال : * ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهُمْ هُدىً . ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا ) * [ الكهف : 13 - 14 ] يعني بشهادتهم بالتوحيد ، فكان من قيامهم حسن تفقدهم في المأكول ، ومراقبتهم للواحد في قولهم : * ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ) * [ الكهف : 19 ] يعني أيها أحلّ وأفضل فأمروا رسولهم يتحرى الحلال إذا قاموا لذي الجلال والإكرام لما أمرهم بأكله إذ قدمه على الأعمال الصالحة في قوله تعالى : * ( كُلُوا من الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحاً ) * [ المؤمنون : 51 ] ، ورعا منهم وتقوى . وكذلك فافعل لتتبع سبيل المؤمنين فتكون معهم ولا تتبع سبيل المجرمين الظالمين فتحشر معهم . هذه رياضة المريدين وطريق المجاهدين . فأما العارفون فليس لهم في الأكل تجربة وتقسيم إذا أطعموا تقلَّلوا وشكروا ، فإن رأوا له مكانا آثروا ، وإن جوعوا عملوا وصبروا .